الأحد، 13 مارس 2016

السودان.. ووثائق بن لادن الأمريكية!..

لم يكن غريباً ما تناولته بعض الصحف السياسية خلال الأسابيع الماضية كشفه مدير الاستخبارات الأمريكية بشأن خطابات ووثائق ادعى أنها خاصة بأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة، وتكشف عن خططه لتقسيم «29» مليون دولار على الأقل من أمواله في السودان وممتلكاته بعد وفاته، وأنه طلب أن تُستخدم أغلب هذه الأموال في مواصلة الجهاد العالمي!!

وعدم الغرابة يكمن في أمريكا التي تُحاول منذ سنوات طويلة اتهام السودان ووصمه بنهج سياسة تشجيع وتأييد وتوسيع الإرهاب .. ومثل هذه الاتهامات تتطلب براهين واثباتات جادة لا مجرد فقاعات صابون إعلامية!!.. وكل ما قدمته أمريكا من مزاعم وإدعاءات بالخصوص غير مقنع!! رغم الجهود المضنية التي ظلت ومازالت تبذلها أمريكا، فإنها أخفقت في تقديم ولو دليل واحد يثبت صلة السودان بالإرهاب!!

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تخرج فيها أمريكا إلى الرأي العام وتدعى كشفها مجموعة من الوثائق، ففي 8/12/2011م أعلن مسؤول أمريكي أن الوثائق التي عُثر عليها في منزل «أسامة بن لادن» في «أبوت آباد» في باكستان تبين أنه لم يكن يلعب أي دور في قيادة عمليات «القاعدة» قبل فترة من مقتله، وأن القوات الخاصة الأمريكية جمعت نحو «200» مفكرة بالإضافة إلى أجهزة كمبيوتر ومفاتيح ذاكرة خارجية من المنزل الذي كان يعيش فيه «بن لادن» مع عائلته في «أبوت آباد»، وأن تلك الوثائق كشفت عن مواقف عامة مثل «علينا مواصلة الهجوم على الولايات المتحدة» أو «هل يمكننا أن نثق بالشباب الصوماليين؟».

ربما أي شخص يقرأ هذه الأخبار لا بد أن يتوقف، لأن مثل هذه الأخبار تدعو للتوقف والقراءة بتأنٍ، وما من شك أن إعلان أمريكا عن هذه القضية يعد رسالة موجهة لعدد من الأهداف في عدة اتجاهات، وهناك نقاط عديدة تدعو إلى التوقف عندها في هذه القضية أو هذه الأخبار التي مصدرها جهات رسمية أمريكية، وهذا في حد ذاته جزء مهم من فهم الرسالة أو محاولة فهما، خاصةً إذا نظرنا إلى القضية والأخبار باعتبار أن كلاً منهما له دور في توصيل الرسالة المراد توصيلها.. ولكن إن هذه المزاعم والإدعاءات الأمريكية لا تحتاج إلى الالتفات وعناء التعليق أو التساؤل، خاصةً أن لا وجود لأي برهان واحد على ما تدعيه أمريكا!!

ربما يقول قائلٌ إن أسامة بن لادن كان مقيماً في السودان بصفته مستثمراً، وكان يدير أنشطة استثمارية في السودان.. وهنا لا خلاف في ذلك .. ولكن السؤال الضروري والمهم: هل كل ما قدمته أمريكا ورجال الدولة الأمريكيون وأجهزة مخابراتها مجتمعة وماكينة الدعاية الضخمة التي وضعوها موضع العمل من أجل إثبات التهمة على السودان محل ثقة؟ هل هناك أحد بمقدوره تأكيد مزاعم أمريكا وصحة وثائقها ونغمتها القديمة المملة في وصم السودان برعايته للإهارب؟.. ولماذا لا يكون هذا الزعم ذريعة وتمهيداً لعقوبات أخرى؟ ولماذا لا يكون هذا رداً لعدم إلتزامها بمعايير عريضة رفع العقوبات عن السودان بعد حملة التوقيعات السودانية بالموقع الإلكتروني للبيت الأبيض؟!!

أمريكا روجت لهذا الزعم من قبل، وبموجبه فرضت عقوبات قاسية على الشعب السوداني مجتمعاً وحتى الآن!!، ولذلك ليس مستغرباً أن تُحاول أن تسوق هذه المزاعم والادعاءات مرة أخرى.. وكُنا نظن أن أمريكا الدولة العظمى تُميز اتهاماتها بين نمطين لهذا الإرهاب: أولهما الإرهاب الرسمي أو الإرهاب على مستوى الدولة، والذي يتم بمشاركة الدولة أو المسؤولين فيها سواء أكان بصورة مباشرة أو عبر التأييد الحكومي لهذا الإرهاب!! وثانيهما: وهو الإرهاب الخاص الذي يقوم به أشخاص أو تنظيمات لا علاقة لها بالدولة.. إن هذين النمطين مرفوضان، وهما جريمة دولية، والنمط الأول أشد خطورة.

هناك أسباب كثيرة ومعقولة للدلالة على أن الإرهاب الرسمي كان ومازال جزءاً من السياسة الأمريكية تجاه السودان وشعبه من خلال جعل المسؤولية تطول الشعب السوداني كافة، حيث أن أمريكا عاجزة تماماً عن طرح أية أفكار ومبادئ سياسية أو أيديولوجية أو حتى روحية لتكون بديلاً لمبادئ الحرية والاستقلال والتقدم الاجتماعي.. وهذا هو سبب اعتمادها على العنف، حيث تحاول بواسطته فرض إرادتها على الشعب السوداني عن طريق العقوبات!! 

أمريكا ظلت تلعب دوراً يقود إلى تطويق الشعب السوداني في إطار أجندة متعددة الأغراض تستهدف إرادة الشعب ومستقبله.. إذن قضية وصم السودان بدعمه ورعايته للإرهاب ما هي إلاَّ لعبة ضمن إطار أكبر، وضمن حالة استهداف أكبر، وهناك العديد من الشواهد التاريخية والأدلة الواقعية التي تدخل في هذا السياق.. وهنا لا نخوِّن أحداً ولا ننفي التهمة عن أحد، ولكن البعض قد ينظر نظرة ضيقة من زاوية تلاقى المصالح فيرهن إرادة أمة أو إرادة دولة بمصالح ضيقة دون الدخول في كثير من التفاصيل.

أمريكا ظلت توجه الاتهامات جزافاً ودون أي أساس ترتكز عليه.. نستذكر أنموذجاً فقط مما قدمته أمريكا في عام 1981م من خلال برنامجها المعادي لليبيا، حيث قامت بتسريب صحفي ووصفته بالمعلومات السرية جداً حول وجود مؤامرة ليبية لاغتيال الرئيس الأمريكي «ريغان»، ودرات شائعات تتحدث عن مجموعتين ليبيتين زعمت إنهما ارسلتا إلى الولايات المتحدة بهدف التخلص من الرئيس ومساعديه، وأخذ الشعب الأمريكي يتلقى يومياً حكايات طريفة وممتعة عن المؤامرة التي اختلقتها المخابرات المركزية الأمريكية!!

عموماً ما كشفت عنه أمريكا حتى الآن من مجموعة الوثائق التي تدعى أنها عثرت عليها أثناء الهجوم على منزل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، تُعتبر الدفعة الثانية، بما يعني أن هناك دفعات قادمات!! ونتوقع أن نسمع سيناريوهات مختلفة من شاكلة اتصالات تآمرية مع طهران، أو ترتيبات مع زعيم تنظيم داعش!! ولا نستبعد شهادة ملكية للسودان باسم أسامة بن لادن!! .. وكل هذا يفرض على الدولة السودانية المزيد من الحذر والاستعداد، بل تنوير وتبصير الشعب السوداني بنهج أمريكا وسياساتها، خاصةً أن الشعب عُوقب ومازال معاقباً بنفس المزاعم والإدعاءات!! 

أمريكا لم تتعلم من الدرس ولم تنتبه لخطاياها وهي مازالت تلجأ إلى السيناريوهات في اتجاه السودان، ومازالت تتجاهل قدر الوعى الذي يتمتع به الشعب السوداني لاسيما في اللحظات الحالكة.. وهنا يجب على الدولة السودانية أن تُسارع الخطى نحو حل مشكلات السودان بانتهاج مبدأ الشعب والوطن أولاً، حتى يلتف المواطن حول الحكومة.

في الخلاصة: إن كُنا نمتلك اليد العليا في صياغة العلاقة بيننا وبين أمريكا، فإن الحفاظ على وجود هذه اليد في موضعها لا يتأتي بالهرولة أو الثقة المطلقة في صانعي السياسات الأمريكية، إذ أن سياساتنا المستقبلية يجب أن تحتفظ بالبقاء على مسافة مناسبة تحفظها من الوقوع في أسر مصالح أمريكا، وهذه المسافة يجب ألاَّ تقترب من الخصومة بقدر اقترابها من أن تستشعر أمريكا أنها لم تعد الخيار «الحتمي» للسودان وشعبه، فالحفاظ على سخونة العلاقة مع كل من: موسكو، كاراكاس، بكين، كوالالمبور، القاهرة، لواندا والرياض وكل مَن يُساند السودان وشعبه، أمر غاية في الضرورة لإحداث هذا التوازن

طارق إسماعيل محمد


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

وزير المالية السوداني يتوجه لواشنطن

توجه وزير المالية، د. إبراهيم أحمد البدوي، إلى مدينة واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، للمشاركة في الاجتماعات السنوية لمجلس محاف...