الخميس، 3 مارس 2016

الســـودان والصــــين.. شــــــراكة فــــــــولاذيــة بـقــوة المعــدن الســائل


لم يمض على تولي الدكتور عوض الجاز مسؤولية العلاقات مع دولة الصين، بدرجة مساعد لرئيس الجمهورية إنفاذاً لاتفاق الشراكة الإستراتيجية الذي وقع العام الماضي، حتى شهدت شوارع الخرطوم حراكاً صينياً كبيراً يؤسس لإنفاذ الشراكة بين البلدين بخطوات ثابتة.
فالصين تبدي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع القارة الأفريقية والسودان بشكل خاص، إذ أصبحت من الجهات المانحة والمستثمرة الكبرى بمختلف أرجاء القارة ومنها السودان، كما تمكنت بكين من رسم صورة إيجابية لها في إفريقيا، لأن السودان أحد أهم الدول الإفريقية بل تعد بوابه إفريقيا الكبرى شكلت ولا تزال محط اهتمام الصين كجزء مهم من توجهاتها على مستوى القارة الإفريقية، لكن من يتابع حراك الصين في شهر فبراير الماضي يجد أن وتيرته ارتفعت بصورة كبيرة.
حراك ثقافي
شهد المسرح الوطني في الخرطوم عشية شهر فبراير يوماً بهيجاً، حيث أقيمت حفلة للاحتفال بعيد الربيع 2016 برعاية السفارة الصينية بالخرطوم ووزارة الثقافة ومعهد كونفوشيوس بجامعة الخرطوم، وجذبت الاحتفالية حوالى ألفي مشاهد، بمن فيهم موظفو السفارة الصينية وممثلو المؤسسات الصينية والصينيون المغتربون في السودان، إضافة إلى الجمهور السوداني المحلي وغيرهم، كما قدم المعلمون والطلاب الصينيون والأجانب من معهد كونفوشيوس وقسم اللغة الصينية وغيرهما من الأقسام فى جامعة الخرطوم عروضاً متنوعة رائعة، أعجبت المشاهدين، عروضاً فكاهية قدمها الطلاب السودانيون باللغة الصينية بطلاقة تعبيرهم بهذه اللغة وفهمهم العميق للثقافة الصينية التقليدية، وجعل عزف المعلمين الصينيين على الآلات الموسيقية الصينية والعروض الفنية الأخرى ذات الخصائص الصينية المشاهدين السودانيين يشعرون بروعة الحضارة الشرقية، وبلغت الحفلة ذروتها بعرض الكونغ فو من المعلمين والطلاب في معهد كونفوشيوس الذي يعتبر علامة معروفة في مجال التبادل الثقافي بين الصين والسودان، ويعكس بذور الثقافة الصينية المزروعة في المجتمع السوداني.
عقب الاحتفالية التي أقيمت عشية مطلع فبراير الماضي بحث وزير وزير الثقافة الطيب حسن بدوي والسفير الصيني لي ليان خه في الأسبوع الاخير من الشهر نفسه، تعزيزاً أكبر للعلاقات الثقافية بين البلدين بحضور مدير إدارة شئون الصين بوزارة الخارجية السفير د. كرار التهامي، بجانب الترتيب لاستقبال الفرقة الصينية التي تزور السودان والتي قدمت عروضها بالمسرح القومي بأم درمان في إطار تعزيز التبادل الثقافي والتواصل الذي أمن عليه الطرفان، إلى جانب تفعيل البروتكولات الموقعة بين البلدين، بخلاف التعاون في تدريب فرق الأكروبات السودانية في مراحلها المختلفة.
حراك يصل لبكين
لم تنم الخرطوم من الحراك الصيني حتى هبط وزير النفط والغاز د. محمد زايد في العاصمة الصينية بكين ليبدأ مباحثات الشراكة الإستراتيجية التي تناولت مع قيادات الشركة الوطنية الصينية للنفط (CNPC) مستقبل الاتفاقيات النفطية في السودان، وإمكانية زيادة الاستثمار والتعاون في مجال البحوث لتطبيق نظم الاستخلاص المعزز لرفع نسب الإنتاج النفطي، كما كشف الوزير زايد عن تفاهمات مع شركة كبرى في إنتاج الغاز، إضافة إلى إنشاء محطات خاصة لمعالجة السلعة وبناء مستودعات وأنابيب خاصة بالغاز لأول مرة في السودان.
في السياق نفسه، نجح وزير النفط د. محمد زائد في إقناع الصين بالموافقة على تحديث وتوسعة مصفاة الخرطوم بإنشاء «3» وحدات إضافية بالمصفاة، بالاضافة لدخول الشركة الصينية الوطنية للبترول للاستثمار في المربع «8» في ولاية سنار وزيادة الإنتاج في مربعي «2و4» ومربع «6» في غرب كردفان.
الاقتصاد يزيد الحراك
خلال الأسبوع الماضي، بحثت الخرطوم مع الصين استئناف العمل في مشروع كهرباء الفولة، مع وفد وزارة التجارة الصينية وتنفيذ المحطة بالغاز الطبيعي، وناقش الاجتماع الذي حضره من وزارة المالية حسن جعفر، مع وفد وزارة التجارة الصينية برئاسة نائب مدير عام إدارة شؤون أفريقيا وغرب آسيا قاو جياشانق، برفقة الإدارات الخاصة بملف السودان وبنك التصدير والاستيراد الصيني وخبراء في مجال الكهرباء، ناقش الاجتماع استئناف العمل في مشروع محطة كهرباء الفولة.
حراك سياسي
بحضور وفد صيني من الحزب الشيوعي الصيني والسفارة الصينية بالخرطوم انعقدت «ندوة السياسات الإستراتيجية لدولة الصين» بمركز ركائز المعرفة للدراسات والبحوث يوم الأحد الماضي التي ناقشت السياسات الداخلية والخارجية للصين عبر محاور متعددة نجاح الصين في وضع الخطط التنموية الخمسية ووسائل المتابعة ومناهج القياس والتقييم والتقويم ودواعي السماح بولادة طفلين وسياسات التعامل مع هذا الوضع الجديد بالإضافة لمرتكزات سياسة الإصلاح والانفتاح وبناء الحزب النزيه وآليات ووسائل وطرق مكافحة الفساد داخل الحزب الحاكم، وتناولت الندوة ايضاً محور السياسية الخارجية تحدثت عن دور الصين تجاه أفريقيا في ظل السياسات الجديدة والدور المأمول للسودان لمساعدة الصين في تنفيذ سياسة التنمية بإفريقيا من البعد الأخلاقي بجانب دور الصين في تنمية السودان ليكون محفزاً للدول الأفريقية كأنموذج لها وسياسة الرقابة التي وضعتها الصين على جودة الصادرات للدول الإفريقية وأخيراً مشروع القرن الجديد «طريق الحرير» ودور السودان المركزي فيه.
الإعلام ضمن الإستراتيجية
لم يتوقف الحراك الصيني على المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية، بل امتد للإعلام باعتباره اهم مفاصل الروابط الاستراتيجية بين البلدين، حيث بدأ وفد رابطة صحفيي عموم الصين زيارة للبلاد تعد الأولى له للقارة الإفريقية يوم الجمعة الماضية، وتعتبر رابطة الصحفيين الصينيين هي الأكبر في العالم حيث تضم تحت لوائها «6» ملايين صحافي، لذا يعتبر أكبر تكتل مهني ونقابي في العالم، وتأتي زيارتهم امتداداً لزيارة وفد الاتحاد العام للصحفيين السودانيين الى بكين العام الماضي التي تهدف لإقامة تحالف بين الصحافة الافريقية والآسيوية، وبجانب الوفد الصحفي الصيني وصل الخرطوم ايضاً وفد إعلامي صيني ضخم يتكون من مسؤولي التلفزيونات والإذاعات الصينية بهدف إقامة اتفاقيات بين البلدين عبر وزارة الإعلام.
الاتفاق العسكري المشترك
منذ ان وقع السودان والصين اتفاق تعاون عسكري مشترك العام الماضي، توج بوصول ثلاث سفن عسكرية صينية لميناء بوتسودان، شهدت العلاقات العسكرية السودانية الصينية تطوراً مطرداً في الفترة الأخيرة، حيث وصلت مستويات متقدمة جداً في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، بحسب ما ذكرت مجلة كناوا الصينية المتخصصة في الشؤون العسكرية، أن الصين زودت السودان بمنصات صواريخ وراجمات ومعدات جوية وبحرية حديثة دخلت الخدمة في الجيش الصيني. وهذا دليل واضح حسب المقال في المجلة، ان الصين تنظر للسودان على انه الحليف الأول في القارة الافريقية من حيث التعاون العسكري.
اجتماعات مكثفة
عقدت اللجنة المكلفة بإدارة الملف الصيني التي يرأسها مساعد الرئيس لشؤون الصين الدكتور عوض الجاز، اجتماعات مكثفة تناولت في مجملها أن الصين جربت الشراكة مع السودان ووجدته مهتماً ومثابراً في تطوير العلاقات، وأن الشراكة ليس المقصود منها استهداف أي بلد من البلدان، بقدر ما تهدف لتطوير المصلحة المشتركة، وكان رئيس الجمهورية قد عين الجاز مسؤولاً عن ملف الصين بدرجة مساعد رئيس جمهورية، وذلك بعد أيام من تكريمه من دولة الصين، كأحد الشخصيات التي قدمت خدمات كبيرة للصين على مستوى العالم. في السياق نفسه، يقول السفير الصيني بالخرطوم لي ليان خه، إن علاقات بلاده بالسودان شهدت تطورا ملحوظاً في الآونة الأخيرة، بعد أن تحولت إلى علاقة استراتيجية، مؤكداً حرص قيادة الدولتين على تقوية العلاقات وتطويرها في المجالات كافة، وذلك خدمة لشعبي البلدين، موضحاً أن خطوة الخرطوم بتكوين لجنة لتطوير العلاقات بين البلدين دليل واضح على اهتمامها بالعلاقة، مضيفاً أن قيادة وحكومة بكين حريصة على تطوير العلاقات مع الخرطوم.
حراك لأجل المستقبل
إن الحراك السوداني الصيني، الذي يتعزز في مضمار الشراكة الاقتصادية والتجارية والمجالات المختلفة بما يجاوز «5» أضعاف ما كان قائماً، سيضع العديد من النقاط على الحروف بشأن تدبير قضايا الاقتصاد والتجارة، وتثبيت دعائم الشراكة، وهو ما يجعل من نتائجها الحالية لاحقاً مجرد غيض من الفيض القادم، خاصة أن العلاقات السودانية الصينية في طريقها إلى أن تصبح كالمعدن السائل الذي يعد أقوى المعادن على وجه الأرض.
المثنى عبد القادر


الأربعاء، 2 مارس 2016

السودان شارك في احتفالات يوم النيل المقامة على الضفة العليا للنهر بكينيا



التعاون بين دول حوض النيل (بوابة التكامل الإقليمي) ..هل سيتم تحقيقه؟؟؟
الخرطوم - رقية أبو شوك
شارك وزير الموارد المائية والري والكهرباء "معتز موسى"، في الاحتفال الإقليمي بـ (يوم النيل) والذي عقد في مقاطعة فيهيجا بكينيا.  ويتزامن الاحتفال هذا العام مع عدة اجتماعات أخرى أهمها اجتماع الحوار الاستراتيجي للمانحين، واجتماع برنامج التعاون في المياه التابع للبنك الدولي، لمناقشة بعض القضايا الهامة، منها استدامة المبادرة واستمراريتها فضلاً عن دفع الدول لمساهماتها بالمبادرة.  إلى ذلك أكدت التقارير الصحفية التي صدرت بمناسبة يوم النيل أن النصف الثاني من عام 2015م شهد عدداً من الكوارث الطبيعية في دول حوض النيل. فقد شهدت مصر موجة من ارتفاع درجات الحرارة التي وصلت إلى (50) درجة مئوية مما أدى إلى وفاة أكثر من (100) شخص. وتواجه إثيوبيا موجة جفاف حادة  أدت إلى فشل المحاصيل ونفوق الكثير من المواشي.  ووفقاً للتقارير الصحفية يواجه عشرات الآلاف من الأطفال خطر الموت ويحتاج الملايين إلى المساعدات الغذائية. وأيضاً لم تنجُ دول شرق أفريقيا من هذه الكوارث، حيث أثرت ظاهرة النينو  وما صاحبها من أمطار غزيرة والتي امتدت لشهور  وأدت إلى حدوث الكثير من الوفيات وتأثر نمط الحياة التقليدية وفقدان الممتلكات.
وبالإضافة للتحديات الطبيعية فإن دول حوض النيل الشرقي والتي تشمل بورندي، والكنقو الديمقراطية  ومصر وإثيوبيا وكينيا ورواندا وجنوب السودان والسودان وتنزانيا وأوغندا، تواجه تحديات اقتصادية مرتبطة بالمياه (للطاقة والزراعة). ومن المؤكد أن الماء هو أهم المدخلات لاستدامة نمط الحياة لمعظم سكان دول حوض النيل الشرقي والبالغ تعدادهم نحو (430) مليون إنسان. وإقراراً بذلك فقد كونت (10) من تلك الدول مبادرة حوض النيل في 22 فبراير 1999(تشارك ارتريا كمراقب) وتمثل المبادرة منبراً  للأعضاء لمناقشة القضايا والمواقف المشتركة وضمان الاستخدام الأمثل للموارد المائية في المنطقة.
وقد قامت مبادرة دول حوض النيل بتعزيز التخطيط المشترك لتطوير الموارد المائية وذلك لتحقيق الاستفادة القصوى منها في الإقليم، والمثال لذلك "فرص الاستثمار في دول حوض النيل الشرقي" وغيرها من المشاريع المشتركة. وباستخدام الأدوات التحليلية فإن المبادرة تخطط لعدد من المشاريع حول الحاجة المستقبلية للمياه وتعكس التحديات الماثلة في الاستجابة للحاجة المتزايدة للمياه.
ومن الأولويات لمبادرة حوض النيل في السنوات القادمة هي تحليل تعزيز الموارد  المائية وذلك لإدارة الموارد المائية وتعزيز الالتزام بالتعاون الكامل بين دول حوض النيل الشرقي وتطبيق الأنظمة التي تساعد في الاستفادة القصوى من كميات المياه المتاحة ومتابعة محطات الرصد وجعلها في المكان المناسب لتخدم التعاون بين الدول عبر الحدود.
وتقر مبادرة حوض النيل بأهمية التعاون كعنصر أساسي في التعاون الإقليمي ومن ثم تحقق شعار هذا العام ليوم النيل " التعاون بين دول حوض النيل: بوابة التكامل الإقليمي". وبما أن اقتصاديات دول حوض النيل الشرقي تعتبر صغيرة نسبياً فيمكن لهذه الدول أن تستفيد من وضع مواردها معاً لخدمة سوق عالمي أكبر، ولذلك وتفادي أثار ضعف التعاون على نمط الحياة الخاص بالسكان في دول الحوض.

إفريقيا والاقتصاد العالمي ..




شهدت الأيام المنصرمة من شهر فبراير الجاري، العديد من التظاهرات الاقتصادية المهمة على المستوى العالمي والإقليمي. حيث انعقدت في مدينة شنغهاي الصينية يوم الجمعة الماضي، أعمال قمة مجموعة العشرين التي دامت مداولاتها على مدى يومين متتالين. كما وانعقدت في شرم الشيخ المصرية أعمال منتدى الاستثمار في إفريقيا لعام «2016» «الكوميسا» بداية الأسبوع الماضي، وأيضاً ومن قبلها انعقدت في مصر أعمال القمة الثلاثية التي جمعت بين رؤساء الدول الثلاث مصر وإثيوبيا والسودان، والتي جاءت في إطار التشاور المستمر حول الكثير من القضايا المشتركة، وسبل تعزيز التعاون بين الدول الثلاث، اعتماداً على واقع تاريخي وجغرافي يظل يربط شعوب هذه الدول برغم كل شيء، وركزت مداولات القمة على الكثير من المشروعات الاقتصادية المشتركة التي تهم شعوب الدول الثلاث والتي تعتمد على واقع تشابه الظروف الاجتماعية والاقتصادية في كل منها. وتأتي على رأسها مشروعات الاستقرار والتنمية الاقتصادية وفرص الاستثمار وبرامج تنمية الشباب والمرأة، وهي بالتأكيد قضايا مهمة في ظل الكثير من الإشكالات التي تواجه واقع هاتين الفئتين، على الرغم من أنهما تمثلان شريحة مهمة ومؤثرة في المجتمع الأفريقي ككل. كما وكان التركيز الأهم في مداولات القمة على تكوين آلية تعاون مشترك بين الدول الثلاث لبحث كل القضايا الأمنية والسياسية، وبالطبع الاقتصادية. وهو المقترح الذي تقدم به السودان.
وقد تناولت القمتان الأوروبية والإفريقية المؤرقات الاقتصادية والتحديات التي تواجه دول العالم مع الأخذ في الحسبان خصوصية كل من أعمال القمتين فيما يليهما بحسب الأجندة التي تبحثها كل منهما. وقد شارك السودان بممثلين على مستوى رئاسة الجمهورية في أعمال القمة الأفريقية، وشاركت مصر بممثل في أعمال القمة الأوروبية كأول مشاركة عربية في أعمال القمة العشرينية، وذلك بدعوة رسمية من الرئيس الصيني ــ فيما عدا المملكة العربية السعودية التي هي أساساً عضو بالمجموعة.
لقد مثلت القمتان لقاءات على مستوى عالٍ من الأهمية، حيث هما تناقشان الكثير من الهموم الاقتصادية المشتركة لدولهما في ظل واقع عالمي بات يعتمد التكتلات في كل شيء. وتبرز القمة الأفريقية كأحد أهم القمم في هذا الخصوص. ذلك أن الإشكالات الكثيرة التي تعاني منها القارة الإفريقية ترتكز في مجملها على معدلات الفقر وتداعياته التي تواجه القارة، مع الأخذ في الاعتبار الإمكانيات الهائلة التي تتمتع بها والتي توفرها موارد لا محدودة تمور بها القارة البكر، ولكنها لا تكاد تفيد منها نتيجة للكثير من المعوقات، داخلية وخارجية.
وتأتي أهمية مثل هذه القمة في محاولتها تنمية القارة الإفريقية وزيادة إدماجها في منظومة الاقتصاد العالمي، حيث أنه قد أصبح من غير الممكن في ظل العولمة الاقتصادية التي شملت كل تفاصيل الحياة، وفي ظل النمو المتزايد للشركات متعددة الجنسيات العابرة للقارات والتي أضحت هي المحرك الأكبر للاقتصاد العالمي، أصبح من غير الممكن لأية دولة الانزواء بعيدًا ومحاولة إدارة اقتصاد ناجح. فكل شيء أضحى يرتبط ببعضه البعض برباط وثيق. وبينما تعاني الكثير من دول القارة الأفريقية من تداعيات اقتصادياتها المنهارة مع ما يلازمها من انهيار في كل بنياتها التحتية المحفزة للاقتصاد، تأتي إشكاليات ديونها الخارجية كمعضلة عصية على الحل أدت إلى حدوث شلل اقتصادي لا يزال يقعدها عن تحقيق تطلعاتها وفق إمكانياتها المتاحة. إن إجمالي الدين الخارجي على دول القارة، قد وصل أرقاماً فلكية يصعب التعاطي معها لكل دولة منفردة، خاصة وأن هذه الديون وفوائدها تظل تنمو نموًا متسارعاً يتجاوز في متوسطه معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في القارة بأكملها، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة جدولة ديونها الخارجية عبر نادي باريس، على الرغم من أن هذه الخطوة هي الأخرى وبكل المقاييس لم تؤد إلى تحسن ملموس في اقتصاديات هذه الدول، فغالبية هذه الدول لم تعد قادرة على خدمة ديونها بأي حال من الأحوال. وقد أضحت هذه المشكلة تؤثر ليس في الدول الإفريقية فحسب، بل وتؤثر على توازن النظام الاقتصادي الدولي بمجمله، وهو ما يظل يدفع بالدول الكبرى لمحاولة إيجاد حلول ما للخروج بالدول الإفريقية ودول العالم الثالث على عمومها من هذا النفق. وهو أحد أهم الموضوعات التي تناقشها قمة دول العشرين الأخيرة في شنغهاي. وهو ما يجعل القمتين ترتبطان ارتباطاً عضوياً وموضوعياً ببعضهما البعض. وبرغم ذلك فإن الحلول التي ما فتئت تقدمها هذه الدول، لا تعدو كونها محاولات يائسة، ذلك أن التغير الكبير في البيئة الاقتصادية العالمية خلال السنوات الماضية والذي أدى لهبوط أسعار المواد الخام والسلع الأولية، والتي تشكل المكون الرئيس لصادرات الدول الإفريقية ويقوم عليها سداد الدين الخارجي الإفريقي، نقول هذا الهبوط أدى إلى حدوث عجز كبير في السداد فاقم من الأزمة وقاد إلى المزيد من التعقيد. ومع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية في الدول الإفريقية واستمرار انخفاض الناتج المحلي الإجمالي واللذين يقابلهما استمرار معدلات النمو السكاني بصورة مطردة، فإن الأمر سيحتاج إلى جهود دولية وإقليمية جبارة من أجل الخروج من عنق الزجاجة، خاصة في ظل إمكانات مهولة من الموارد تمتلكها القارة ولكنها لا تملك القدرة علي إدارتها للكثير من العوامل السياسية والاجتماعية، وبالضرورة الاقتصادية، وتظل الحلقة مفرغة إلى أن يعتدل الميزان وإلى أن يعود الحصان الإفريقي ليتقدم عربة الاقتصاد العالمي بما يملكه من إمكانيات مهولة تمكنه من ذلك وأكثر .
منال عبدالله عبدالمحمود

وزير المالية السوداني يتوجه لواشنطن

توجه وزير المالية، د. إبراهيم أحمد البدوي، إلى مدينة واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، للمشاركة في الاجتماعات السنوية لمجلس محاف...